الجمعة، 14 مارس 2014

رسالة زعماء الصومال إلى الشيخ سلطان القاسمي (الجزء الثاني)

في الجزء الثاني سنستعرض النص الكامل للرسالة (المخطوطة) التي وصلت إلى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي رحمه الله من بلاد الصومال للاستنجاد به ضد الانجليز, و إليكم النص كما هو: 



(( الموصوف بأقل صفاته المعروف بوشح صفاته (1) سلطان بن صقر حرسه الله في حياته عن فضيحة و فقر و في آخرته عن السعير و سقر. و مراد الورقة السلام عليكم و ايصال اخبارنا اليكم و تذكير طاعتنا و شوقنا لديكم.

أقول لك يا امير المؤمنين متع الله بحياتك المسلمين و ايد الله بك الدين و نصر بجندك المجاهدين, فإن ملوك اهل الاسلام ضيَعوا سياسة الشريعة و ليَنوا اركانها المنيعة و نادموا سلاطين الكفار و استمدوهم على اهل الامصار حتى أنزلوا النقريز (2) في عدن سمية الجنة و اقدم مسكن احلَهم الله دار البوار و انتقم منهم بعذاب النار و ذلك من الرعب المقذوف في قلوبهم و هذا من جملة عيوبهم.

و الواجب عليك أن تهتم لاقامة الحنيفية و اظهارها و لذَب رافضيها عنها و اشهارها و نحن أهل بادية و اصحاب ماشية و لكنَنا اولوا قوة واولوا باس شديد و أصحاب جرد و مرد (3) و عدٍ عديد لكنَا ناؤن عن السَاحل لا نصله إلاَ بشق الانفس و الرَواحل لكن بحمد الله قد طلع من السَاحل نجم ثاقب و اسدٌ رابضٌ راقب لَزِم و الزَمَ التوحيد و نفى الشرك و التنديد و هو السلطان الصَالح الناصح الحاج العاقل فارح (4) سلمه الله و حيَاه و حرسه و هداه و بيَاه فصار واسطه بين الطريقين و مأوى لكلا الفريقين و قد بحث هو سلاطين المسلمين بالاستخبار وساس قوانينهم بالاعتبار فتحصَل له من مناقبك ما اسَر خواطره و حرك بشائره و اتفاقه مع محمد بن سالم بن علي (5) عليه رحمة ربه العليَ.

فَأمُرِ الناس بالمعروف و انههم عن المنكر و ذكَرهم بهول القيامة و المحشر و اطع الله و اطع الرسول اذ كل راع عن رعيته مسئول و جاهد الكفار و المنافقين و اقم الحدود على الكافرين و الزُناة و السَارقين فلا يجوز لك ان تهادن الكفًار فوق اربعة اشهر و وجب علينا اتباع الامير الموحد المجاهد الآمر النَاهي القائم المساعد و نحن معدودون من رعيَتك و مستريحون بمعيتك فساعدنا بيدك و لسانك لقوله صلى الله عليه وسلم المؤمنين يد واحدة على من سواهم و المؤمنون كالبنيان يشدُ بعضه بعضا.

و نحن محتاجون الى مدد و حتَى كلامك يكفينا اذا امرت السَواعى (6) المسافرة الينا ان يقوموا معنا و يجاهدوا في سبيل الله الحيث (7) اذا جاؤا عندنا ما يخالف احدُ من السَومال لأنهم يهابون اذا سمعوا ان السلطان بن صقر قائم بالجهاد فيهتابون و يقولون كلهم نحن من رعيته و هذه السَواعي المساعره (8) تكفينا بحول الله و قوته و ما ترى ان شاء الله الا و هم داخلون تحت طاعتك في سنة واحده و لا يضر هذا البعد الذي بيننا لانَ السَواعي مقربة تحمل الى بلد لم تكونوا بالغيه الاَ بشق الانفس كما ان سعيد بن سلطان ملك ارض السواحل كلها و هي بعيدة عنه مع انه خارجي ليس من اهل السنة و الجماعة و انت بحمد الله قلوب السَومال مشتاقة اليك لما ذكرنا لهم من اتباعك الكتاب و السنة.

فاجتهد في ضم ملك السَومال الى ملكك الاول فان المملكة سعادة لمن ادىَ حقها و شقاوة لمن جار و طغى و اثر الحياة الدنيا. فيجب عليك ان تعاوننا باليد و اللسان و يجب علينا السمع و الطاعة ان تنصروا الله ينصركم و يثبت اقدامكم و ما النصر الا من عند الله العزيز الخكيم و نحن مستنصرون (9) منك و قد قال تعالى و ان استنصروكم في الدين فعليكم النصر و قال تعالى ان تكونوا تالمون فانَهم يالمون كما تالمون و ترجون من الله ما لا يرجون و قال صلى الله عليه وسلم امرت ان اقاتل الناس حتى يشهدوا ان لا اله الا الله و اني رسول الله و يقيموا الصلوَة و يؤتوا الزكوه فاذا فعلوا ذلك فقل عصموا منَي دماءهم و اموالهم الاَ بحقها و حسابهم على الله.

و قال صلى الله عليه و سلم لان يهدي الله بك رجلا واحداً خير لك من حمر النعم و قال صلى الله عليه وسلم من لم يغزُ و لم يحدث نفسه بالغزو ومات على ذلك مات على شعبة من شعب النفَاق و لقوله صلى الله عليه وسلم لغدوة او روحة في سبيل الله خير ممَا طلعت عليه الشمس و لقوله صلى الله عليه وسلم لا يجتمع غبار في سبيل الله و دخان جهنم في جوف احدكم ابداَ و الواجب عليك و على اتباعك ان يؤمنوا بالله و ملائكته و كتبه و رسله و اليوم الاخر و القدر خيره وشره و ان تشهدوا ان لا اله الا الله و ان محمد عبده و رسوله و تقيموا الصلوة و تؤتوا الزكوة و تصوموا رمضان و تحجوا الى البيت ان استطعتم اليه سبيلا و تعبدوا الله و لا تشركوا به شيئاً و تأمروا بالمعروف و تنهوا عن المنكر و تطيعوا الله و الرسول و تحكموا بين الناس بالحق و من لم يحكم بما انزل الله فاولئك هم الكافرون و الفاسقون و الظالمون.

و لا تقربوا الزنا انه كان فاحشة و ساء سبيلا و لا تقربوا مال اليتيم الا بالتي هي احسن ان الذين ياكلون اموال اليتامى انما ياكلون في بطونهم ناراً و سيصلون سعيرا و لا تقتلوا النفس التي حرم الله الا بالحق و من يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالداَ فيها و غضب الله عليه و لعنه و اعد له جهنم و ساءت مصيرا و اوفوا الكيل و الميزان و لا تبخسوا الناس اشياءهم  و يل للمطففين الذين اذا اكتالوا على الناس يستوفون و اذا كالوهم او وزنوهم يخسرون الا يظن اولئك انهم مبعوثون و اقيموا الحدود ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه و لا تعثوا في الارض مفسدين انما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله و يسعون في الارض فساداَ ان يقتَلوا او يصلَبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف او ينفوا من الارض الى اخر الايه و لا تاكلوا الربا و من عاد اليها فينتقم الله منه و الله عزيز ذو انتقام و لكم في القصاص حيوه يا اولي الالباب لعلكم تتقون. الزانية و الزاني فجلدوا كل واحد منهما ماية جلده و لا تاخذكم بهما رافة في دين الله ان كنتم تؤمنون بالله و اليوم الاخر الايه. السارق و السارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله و الله عزيز حكيم هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب الله تؤمنون بالله و رسوله و تجاهدون في سبيل الله باموالكم و انفسكم ذلكم خير لكم ان كنتم تعلمون و تعاونوا على البَر و التقوى و لا تعاونوا على الاثم و العدوان و من يؤمن بالله و رسوله فقد هدي الى صراط مستقيم و امروا اهلكم بالصلَوة و اصطبروا عليها.

فيجب عليك ان تمدنا برجال و اموال و تساعدنا بسواعى و اقوال لانك اذا امرت السواعى المساعره و الرجال المسافره ان يساعدونا بالتفافيق (10) و السُفن و يحاربون معنا على الكلاب و الكفار العُفُن فنسئلك بوجه الله الذي لا يجوز رد السائلين به ان تساعدنا و تمدنا بالاعانة الواجبة عليك لقول النَبي صلى الله عليه وسلم ان الله في عون العبد ما دام العبد في عون اخيه و يجب علينا السمع و الطاعة و على الله نصر المؤمنين فالله لا تتساهل كلامنا هذا فانه مجلب الظفر و معلم النصر و مكسب الاجر و توكلوا على الله و من يتوكل على الله فهو حسبه ان الله بالغ امره انا لننصر رسلنا و الذين امنوا كتب الله لاغلبن انا ورسلي ان الله قويَ عزيز و كان حقاً علينا نصر المؤمنين اولئك حزب الله الا ان حزب الله هم المفلحون و الغالبون كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن الله و الله مع الصَابرين و ما يعلم جنود ربك الا هو.

و قد نزلت في البادية البعدى الى قرى السَاحل القُربى عند الحاج الافخر و السلطان الاغر فارح حرسي و انا منتظر منك سعدة (11) الى الفتوح القابل (12) و الامر كله لله و اليه يرجع الامر كله و جيوش البادية علينا و لو تبغى ثلاثين الف خيَال لكن مالنا قوة في البحر غير الحاج فارح و لكن اصحابه و بنو اعمامه لا يقومون للحق و يحسدون عليه و اذا جاءت سواعي منكم و ذكروا انك قائم معنا يهتابون و لا يتكلمون بكلمة و لا يقدرون يخالفوننا فان لم تقدر ترسل لنا سعدة مستعدة فالله الله قل للمسافرين الجائين من ارضكم ارسلنا السلطان بن صقر لنجاهد الكفار الذين في ارض السَومال مع الحاج علي (13) و الحاج فارح فان ذلك ينفعنا نفعاً جماً و انَ لك فيه اجراً لماً فاعيوننا بقوة حتى نجاهد السَومال و ندخلهم في الاسلام و الايمان باذن الله الملك المعبود لما سمعنا فيك من الخصال الحميدة و المناقب العديدة و الفضائل السعيدة و الفواضل (14) المفيدة فاحببنا ان نكون لك عساكر مجاهدين و فوارس مساعدين و تكون لنا قائماً مقيماً لدين الله و اميراً امراً لاوامر الله و ناهياً ينهى عن المعاصي و شفيقاً برفق للدَاني و القاصي و مقيماً لحدود الله الخامدة (15) و مظهراً للشريعة الجامدة (16) و عسى الله ان يُعلي بك الدين و يدمغ (17) بحقك راية المشركين و يملكك ارض المؤمنين و يفتح بنورك اعين المسلمين و يؤمرك على جيوش المجاهدين و يضَم بسلطنتك طوائف الموحَدين و ينفعك بدعوة المسلمين المستضعفين و صَلى الله على سيدنا محمد و اله و صحبه و سلم اجمعين))

انتهت الرسالة ..


يتبع في الجزء الثالث و الآخير 

سوف نذكر في الجزء الاخير الاسباب التي منعت الشيخ سلطان بن صقر القاسمي من الاستجابة لطلب الرسالة بالنصرة حسبما ذكرها المحقق الدكتور سلطان بن محمد القاسمي. بالاضافة لتعليق على فحوى الرسالة و تحقيق مبسط حسب وجهة نظرنا المتواضعة.

-----------------------------------------------------------------------------------
الهامش:

(1) الوشح: الثوب , الصافي : التقي, و المقصود هنا: المعروف بلباس التقوى.
(2) النقريز: الانجليز.
(3) جرد و مرد: الجرد من الخيل: السَباق, المرد: الشاب طرَ شاربه و لم تنبت لحيته يقال امرد على جرد اي شبان مرد على خيول جرد.
(4) فارح حرسي: سلطان قبيلة هبرغرحجس.
(5) محمد بن سالم بن علي: زعيم احدى القبائل.
(6) السواعي: جمع سوعي, سفن معروفة في السواحل العربية.
(7) الحيث: تعنى الزمان.
(8) السواعي المساعرة: اي المشتغلة بالتجارة.
(9) استنصره: استمده و طلب نصرته.
(10)   التفافيق: جمع تفق, و هي كلمة فارسية معربة منطقة الخليج و شرق الجزيرة و اصلها فارسي تفنكـ - تعني الاسلحة النارية.
(11)   سعدة: اذا كان يقصد معاونة , فعليه ان يقول "مساعدة" و ان كان يقصد اليمن نقيض النحس فعليه قول "سعد" يقال لبيك و سعديك, اسعدك اسعاداً بعد اسعاد.
(12) القابل:  القادم القريب.
(13)  الحاج علي: لا بد  و ان يكون احد زعماء القبائل.
(14)  فواضل: فواضل المال: غلته و ارباحه.
(15)  الخامدة: النار: سكن لهبها و لم يطفأ جمرها.
(16) الجامدة: الصلبة.
(17)  دمغ الحق الباطل: ابطله و محقه.

الخميس، 13 مارس 2014

رسالة زعماء الصومال إلى الشيخ سلطان القاسمي (الجزء الأول)



رسالة زعماء الصومال

 إلى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي

1837 م 

 
الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي

مقدمة: 

أذكر أنني قبل ثلاث سنوات كنت أبحث عن هذه الرسالة و حالفني الحظ بعد بحث و عناء طويل و بعد الاتصال بدار الخليج للصحافة و النشر في الشارقة, حيث دلوني على مكتبة وحيدة في المنطقة الشرقية قد أجد فيها هذا الكتاب. و فعلا وجدت الكتاب في مكتبة المتنبي في الدمام بعد جهد و بالكاد حصلت على نسختين فقط. 

قرأت الرسالة بنهم و فيها ما هو جميل و تشرح بداية التدخل الانجليزي في سواحل أرض الصومال و فيها ما اعترضت عليه , لكن سأترك رأي الخاص و تحقيق هذه الرسالة إلى ما بعد الانتهاء من سردها بشكل تجريدي و سرد الظروف المحيطة كما حققها الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي. 

 حوت هذه الرسالة استنجاداً بشيخ الشارقة و رأس الخيمة الشيخ سلطان القاسمي الذي حكم خلال الفترة 1803م – 1846م ليعينهم على حرب الانجليز و يضم أرضهم إلى أرضه, و قد بدأ المحقق بتمهيد تاريخي لمنطقة الصومال, و بين أسباب كتابة الرسالة التي كتبت بخط واضح و جميل و ما تزال محفوظة إلى اليوم في الشارقة. و اختتم التحقيق ببيان أسباب تقاعس الشيخ سلطان بن صقر القاسمي عن تنفيذ رغبة زعماء الصومال.

تمهيد:

تطرق الدكتور سلطان بن محمد القاسمي إلى القبائل القاطنة في أرض الصومال و ذكر أن القبائل التي ترجع إلى الشيخ اسحاق بن أحمد تقطن الجزء الغربي من شمال الصومال و أن ميناءهم بربرة, بينما تقطن في الجزء الشرقي قبيلة المجيرتين العائدة إلى الدارود و ميناؤها بندر قاسم. ثم تحدث عن بربرة و أسباب كتابة الرسالة كما يلي:

ميناء بربرة في القرن التاسع عشر

يقع ميناء بربرة على خط عرض 22  10 درجة, و خط 45 درجة, و كان يعد من أحسن الموانئ الأفريقية. أما مدينة بربرة فإنها كانت تهجر ما بين شهري أبريل و سبتمبر من كل عام, إلا من السقف المؤقتة, و في منتصف شهر سبتمبر تصبح المدينة سوقاً تجارية عظيمة, و ملتقى تجارياً لكل القبائل الصومالية في تلك المنطقة, و التي كانت تعتمد على تلك المدينة في بيع منتجاتها كالصمغ, و العاج , و السمن , و الخيول , و البغال, و المواشي, و الأغنام , و الجلود الغير المدبوغة , و كانت أثمان تلك المنتجات كثيراً ما تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات.
إن ازدهار التجارة في ميناء بربرة يرجع إلى عدم وجود ضرائب على الواردات أو الصادرات , ما عدا حصة بسيطة تدفع للوسطاء نظير السمسرة و حماية التجار الأجانب و عادة ما يكون السمسار زعيم العشيرة.

كانت التجارة في ميناء بربرة بيد العرب و البناينة* (جمع بانيان و هم الهنود المشتغلون بالتجارة), الذين كانوا يأتون من مناطق مختلفة من السواحل العربية كل سنة, في سفن محملة بالبضائع , و التي كانت تترواح أعدادها بين 100 و 500 سفينة. 

أحد شوارع بربرة موسم التجارة


كان تجار بربرة يبدون غيرة و حسداً عند وصول أي سفينة أوروبية, لأن تلك الكميات الكبيرة من السلع, التي كانت تلك السفن تجلبها إلى بربرة, هي نفس نوعية السلع التي كان تجار بربرة يجلبونها من موانئ السواحل العربية. من تلك السفن الأوربية , وصلت السفينة التجارية "ماري آن"  “Mary Anne” يوم الثامن من أبريل سنة 1825م, بقيادة ربانها "دبليو لِنغارد" “w.Lingard”. و في نفس الوقت وصلت البغلة "دريا دولت" من المخا, و كان على متنها اثنان من العرب حضرا إلى السفينة "ماري آن" و عرضا خدماتهما على السيد " لِنغارد".
و في صباح اليوم التالي نزل السيد " لِنغارد" و أخوه من السفينة, و اصطحبا العربيان إلى مكان تجمع السماسرة, و عيَنا لهما خمسة من السماسرة المعروفين, و اتفقا مع السماسرة على الأتعاب التي سيتقاضونها. لكن السيد " لِنغارد" ظن أن السماسرة قد خدعوه, و أن الأتعاب التي اتفق عليها معهم عالية جداً, لذلك بدأ في اليوم التالي بعرض بضاعته على التجار دون السماسرة. 

اعترض السماسرة على ذلك البيع, فتدخل السيد علي عقال, صاحب الكلمة في مدينة بربرة لتسوية الموضوع. عندها وصل أحد بحارة السفينة "ماري آن" و أخبر السيد " لِنغارد" بأن السفينة قد جنحت بالقرب من الشاطئ فهب كل من كان بالمدينة إلى الشاطئ. فمنهم من كان يحاول انقاذ البضاعة و منهم من أخذ ينهب من تلك البضاعة, فحدث عراك بين بحارة السفينة و المواطنين الصوماليين نتج عنه مقتل اثنين من بحارة السفينة " ماري آن" و جرح آخران. فخاف السيد " لِنغارد" فلجأ هو و أخوه إلى البغلة " دريادولت" و لحق بهما السيد "لابلانش" “La Blanche” مساعد ربان الفينة "ماري آن", و طلب السيد " لِنغارد"من نوخذا البغلة نقله و من معه إلى المخا.

في المخا قابل السيد " لِنغارد" المقيم البريطاني كابتن "ام.إي.باغنولد" “Captin M.E.Bagnold” و أخبره بما حدث. فقام السيد باغنولد برفع الأمر إلى حكومة بومبــي. قدر السيد " لِنغارد" قيمة السفينة و حمولتها بمبلغ 37,833 ألف دولار اسباني.

بعد سنة و نصف من الحادثة, صدرت الأوامر من العميد البحري "غيج" “ Rear Admiral Gage” , القائد الأعلى للقوات الملكية البحرية البريطانية في تلك البحار, بتجهيز حملة بحرية, تنفيذا لرغبات الحاكم العام للهند, لاعادة الممتلكات أو التعويض عنها من القبيلة التي اعتدت على السفينة التجارية "ماري آن". تكونت الحملة السفن الملكية البحرية البريطانية: "تامـار" “ Tamar”  و " باندور" “ Pandora”  و " أمهرست" “ Amherst”  و كان عليها مئتان و أربعون جنديا.

وصلت الحملة قبالة ميناء بربرة في اليوم العاشر من يناير سنة 1827م, و كانت هناك سفن محلية كثيرة أخذت تتناقص عند وصول الحملة. فقام كابتن "جي. بريمر" “ Captain J.Bremer”  قائد السفينة الملكية البريطانية " تامار" -  و هو نفسه قائد الحملة – باطلاق النار على تلك السفن لمحاصرة ميناء بربرة. كما قام بارسال الملازم "داوني" “Lieut. Downey”  مع مترجم إلى المدينة لمقابلة شيوخ بربرة, لشرح الهدف من تلك الحملة, و اخبارهم برغبة كابتن " بريمر" للاجتماع بهم على ظهر السفينة الحربية مع ضمان سلامتهم.

وافق شيوخ بربرة على اللقاء مع الكابتن "بريمر" في صباح اليوم التالي. و في تلك الليلة الباردة و كعادة أهل الصومال أن يشعلوا النار ليلاً للتدفئة و الطبخ, اعتقد الكابتن "بريمر" أن المواطنين قد أشعلوا النار في عدة أماكن من المدينة لنهبها, و أنهم فيما تهيأ له بدأوا بتحطيم ممتلكات الهنود الذين يعدُون تحت الحماية البريطانية,و أنه إذا ما حدث ذلك فلسوف لن يجد شيئاً للتعويض عن السفينة " ماري آن" و شحنتها.

و من ثم أراد أن يثبت لأهالي بربرة أنهم تحت سيطرته فقام بفتح نيران مدافع السفينة الحربية, ثم أنزل قوة بقيادة كابتن " جيرفيز" “ Captain Jervaise”  لاحتلال المدينة. و كان وقتها ألفان من المواطنين الصوماليين قد تجمهروا على الشاطئ بأسلحتهم التقليدية لكنهم اختفوا عندما بدأ الجنود البرطانيون بالنزول إلى الشاطئ. احتل الكابتن "جيرفيز" و جنوده التلة التي كانت تتوسط المدينة و موقعين آخرين. أحدهما شرق المدينة و الآخر غربها, ثم احتلت المدينة بأكملها بعد أن سقط العديد من الأهالي صرعى نتيجة العدوان الهمجي و قتل انجليزي واحد فقط.

تقدم من المدينة اثنان من زعمائها و تفاهموا مع الانجليز و طلبا مهلة أربعة أيام. و في اليوم المحدد حضر بين عشرة و اثني عشر شيخاً من زعماء القبائل و طلب الانجليز منهم ثلاثين ألف دولار, اعترض الصوماليون على ذلك الطلب.  و لكنهم تحت التهديد وافقوا على خمسة عشر ألفاً تدفع على ثلاثة أقساط سنوية قيمة كل قسط خمسة آلاف دولار نقداً أو ما يوازيها من البضائع. و وقعت اتفاقية بين شيوخ القبائل و بريطانيا تسمح لبريطانيا بالتجارة و حمايتهم لسفنها من الاعتداء عليها و تقديم المساعدة لها. و عجز الأهالي عن جمع القسط الأول حيث كانوا جميعهم فقراء.

أسباب كتابة (المخطوطة) رسالة زعماء الصومال للشيخ سلطان بن صقر القاسمي: 

كتبت هذه الرسالة في سنة 1837م , و كان الدافع لكتابتها أن بريطانيا أواخر سنة 1836م ادعت أن سفناً من ساحل الحبشة قامت بأعمال السلب ضد السفن المتاجرة بين المكلا و مدخل البحر الأحمر. فقامت السفن البريطانية بأسر خمس سفن من قبالة بربرة, مدعية أنها كانت تقوم بحصار ميناء بربرة. يضاف إلى ذلك الاتفاق الذي تم بين سلطان لحج و الحكومة البريطانية في شأن تأجير ميناء عدن في نهاية سنة 1835م لاقامة محطة تجارية في ذلك الميناء الى جانب الممارسات التي قام بها كابتن " هينز" “ Captain haines" الضابط في البحرية الهندية ضد عدن و سلطان لحج في السنوات التي تلت ذلك الاتفاق مما نتج عنه احتلال بريطاني لعدن في العام 1839م . 


يتبع في الجزء القادم 

في الجزء القادم سنبدأ بإذن الله في سرد الرسالة  (المخطوطة) كما هي و من ثم نعرض تحقيق بسيط حول بعض ما ذكر فيها حسب رأينا المتواضع.  

الأربعاء، 12 مارس 2014

كبا-علف و أخوه فارح



كان يا مكان في قديم الزمان كان هناك أخوان أحدهما يدعى كبا-علف و الآخر فارح, كبا-علف كان الأخ الأكبر و فارح الأخ الأصغر وكان من أمر كبا-علف أنه لم يتزوج بعد و كان الناس ينعتونه بالحمق (نعس) و كان فارح محط اعجاب الكثيرين و كانوا ينعتونه بالامتياز (فريد) و كانوا يعتمدون عليه في الكثير من الأشياء.
و في يوم من الأيام أصاب القحط و الجفاف الأرض التي يقطنها كبا-علف و أخوه فارح و بعد زمن هطلت الأمطار في أرض أخرى بعيدة عن أرض الأخوين. و كعادة أهل البادية أرسلوا السرايا للإستطلاع و البحث عن أرض فيها الماء و الكلأ و فعلاً وجدوا بُغيتهم و بعدها انتقلت العشيرة إلى هذه الأرض الجديدة الغنية بالعشب و المياه.

و بعد أن استقرت العشيرة و ارتوت المواشي بعد الظمأ ابتدأ الشباب و الصغار في أداء الرقصات و الألعاب الشعبية ابتهاجاً بنعمة الأمطار و فرحاً بالأرض الجديدة. من هذه الرقصات هيلدا, ويقلدا, والاساقادا, جاانطيرتا ..إلخ (Wiglada, Heelada, Walasaqada, Jaandheerta), و كان من عادة أهل البادية أن يقيموا مراسم الزواج خلال فصل الأمطار حينما تعشب الأرض و تخضر, حتى لو كان هناك اتفاق مبدأي للزواج بين شاب و فتاة يتم تأجيله لفصل الربيع وقت نزول الأمطار. 



فارح وجد فتاة من المنطقة الجديدة التي ارتحلوا إليها مؤخراً وتحدث معها لفترة و نالت اعجابه فقد كانت تتمتع بقدر كبير من الجمال و العقل.اتفق فارح مع الفتاة على الزواج و لكن لسوء حظهما اندلعت مواجهات بين العشيرتين و قتل من الطرفين رجال كثير. بعد هذه المواجهات الدموية قررت عشيرة فارح وأخوه كبا-علف العودة لمنطقتهم تجنباً لمزيدٍ من سفك الدماء بين الجانبين.

لم يستطع فارح أن يصبر كثيراً على الفتاة التي أحبها و أراد الزواج منها, فقرر أن يعود لديارهم و يعود بالفتاة إلى عشيرته. وكانت 90% من زواجات البادية تتم بهذه الطريقة باتفاق الشاب و الفتاة على الزواج حيث جرت العادة أن يأتي الشاب مع أبناء عمه و إن كان لابد فيأتي بعمه أو أخيه و يرسلهم لأهل البنت ثم يهرب مع الفتاة إلى عشيرته فلا يملك أهلها سوى الموافقة على الزواج تحت الأمر الواقع بما أن الشاب و الفتاة بينهما قصة حب أما 10% كان يتم تزويجهم عبر أهاليهم. 

ذهب فارح إلى أبناء عمه و أخبرهم أنه لا يمكن أن يتخلى عن هذه الفتاة و أنه لن ينظر إلى فتاة أخرى طالما أن هذه الفتاة ما تزال على قيد الحياة. أشار عليه أبناء عمه أن ينسى هذه الفتاة و لا يفكر فيها بسبب العداوة بين العشيرتين حيث لم تجف دماء القتلى بعد من الطرفين. كما أنه لو ذهبوا إليهم سيعتقدون أنهم يريدون حربهم فيبادروا للقتال و الثأر لقتلاهم تحت هذه الظروف العصيبة.

لم يقتنع فارح بنصيحة أبناء عمومته و قرر أن يذهب لوحده و كان أخوه كبا-علف المنعوت بالحمق "نعس" الوحيد الذي عرض الذهاب معه, وافق فارح على أن يصحبه أخوه الاكبر كبا-علف. انطلق فارح و أخوه باتجاه ديار الفتاة كان الأرض الفاصلة بين العشيرتين أرضاً جدباء و قاحلة لا يسكنها أحد, قطع فارح و أخوه المسافة في يوم و ليلة و في اليوم التالي وصلا إلى ديار الفتاة التي أحبها فارح. 

اختبأ فارح و أخوه كبا-علف على مشارف مضارب العشيرة وذلك للعداوة التي بينهم و لتحين الفرصة المناسبة للانفراد بالفتاة و الحديث معها. و فعلا في عصر ذلك اليوم شاهدوا الفتاة و هي تقود جملاً خارج مضارب العشيرة, فخرجوا عليها بعدما اطمئنوا أنها لوحدها فقالوا لها " لقد أتينا من أجلك يا سيدتي و تعلمين العداوة التي بين أهلينا, و نريدك أن تأتي معنا هذه الليلة للعودة إلى عشيرتنا بغرض الزواج منك".

الفتاة كانت تتمتع بقدر كبير من الذكاء و واعدتهم أن تأتيهم في الليل تحت شجرة اتفقوا عليها على حدود مضارب العشيرة. الجو كان لا يزال في فصل الربيع و الأمطار تهطل بغزارة بين الحين و الآخر, نزل المطر تلك الليلة و الأخوان ينتظران الفتاة تحت الشجرة و كانا يرتجفان من شدة البرد. أما الفتاة فبعد نزول الأمطار دخل عليها اخوانها و عيال عمها الذين كانوا عادةً ينامون أمام الابل و لكن دخلوا عليها المنزل حتى يحتموا من المطر لذلك لم تستطع أن تخرج إلى موعدها مع الأخوين.

تأخرت الفتاة على الأخوين و لما استبطئا قدومها  قررا أن يذهبا إلى منزلها و يروا ما الذي عَوقها عن الموعد. تسلل الأخوان إلى مضارب العشيرة حتى وصلا إلى بيت الفتاة و اختبئا خلف المنزل و أخذا يسترقان السمع حتى وقفوا تماماً خلف المكان الذي تتحدث منه الفتاة. قام فارح بنكز الفتاة من الخارج ففهمت أنهما يختبئان في الخارج و ينتظران خروجها معهم.

و كما قلنا سابقاً كانت الفتاة تتمتع بقدر عالي من الذكاء فأخذت تحكي قصة لاخوانها و عيال عمها و هي تقصد توجيه رسالة لفارح و أخيه كبا-علف فقالت و هي تحكي قصة فتاة " كان هناك شاب و فتاة يحبان بعضهما وفي يوم من الأيام حدث قتال و خصومة بين أهليهما و الشاب لم يستطع أن يصبر على فراق الفتاة التي يحبها, ثم قدم إلى أهل البنت مع ابن عمه فأصابهم المطر مثل مطر هذه الليلة فتحدث الشاب مع الفتاة فقالت له: إذا كنتم جائعين اذهبا خلف حظيرة الغنم و ستجدان اناء فيه حليب فاشربا, و إذا كنتم تريدان مصرعكما فادخلا المنزل , إما إن كنتم تريدونني فاذهبا تحت الشجرة" و أكملت لهم القصة و فعلاً فهم الأخوان أنها تقصدهم بكلامها فذهبا خلف حظيرة الغنم و شربا الحليب ثم عادا لانتظار الفتاة تحت الشجرة.

و مع توقف هطول الامطار عاد اخوة الفتاة و عيال عمها للخارج للنوم بالقرب من الابل, حينها وجدت الفرصة للهروب و اللحاق بفارح و أخيه تحت الشجرة. و لما تقابلوا تحت الشجرة فرح بمجيئها الاخوان ثم انطلقوا عائدين إلى ديار فارح و أخيه. و بعد الفجر مباشرة كانوا يمشون في منطقة خاوية لا يسكنها أحد و لا تسمع فيها صوتاً لمخلوق, قالت الفتاة " دعونا نفطر" استغرب فارح من قولها و بحثها عن الفطور في هذه الارض الخاوية فقال لأخيه كبا-علف " يا أخي ماذا تقول الفتاة ؟ هل نحن في منطقة فيها أكل ؟ ما هذا الفطور الذي تريده؟ "
أجابه كبا-علف " إنها تقصد أن نفرش أسناننا بالمسواك" فهم فارح قصدها بعد شرح أخيه كبا-علف و فعلاً فرشوا أسنانهم بالمسواك, و لما حان وقت الظهر أصابهم التعب فجلسوا تحت ظل شجرة كبيرة. و حينما جلسوا مباشرة قالت الفتاة " دعونا نرتاح" فاستغرب مجددا من كلامها و قال لها " ولال, ها نحن جالسون  تحت الظل فعن أي راحة تتحدثين ؟ " فأجابه أخوه كبا-علف " انها تقصد أن نخلع الأحذية" و بالفعل خلعوا جميعاً أحذيتهم و أخذوا قسطاً من الراحة حتى العصر. 

تحركوا بعد العصر و حينما اقتربت الشمس من المغيب قالت الفتاة " لقد وصلنا إلى البلدة" , فقال فارح " هل الفتاة أطول منا ؟ أم هي أبعد بصراً ؟ ما هي هذه البلدة التي شاهدتها و لم نشاهدها نحن ؟ ". فأجابه كبا-علف " لقد شاهدت نسراً و غالبا تتواجد النسور في مناطق قريبة من الاماكن التي يقطنها البشر" استغرب فارح من منطق الفتاة و استغرب أكثر من فهم أخيه كبا-علف لما تقوله. و بالفعل بعد برهة من الزمن وصلوا إلى بلدة كما أخبرتهم الفتاة و استقبلتهم عائلة على طرف البلدة كضيوف.قدمت لهم العائلة وليمة كعادة أهل البادية فكانوا يقدمون الطعام للضيوف و يذبحون لهم الماشية مع وضع كوب من السمن و الحليب في المنتصف و هذا ما فعلته العائلة تماما. 

خجلت الفتاة أن تضع السمن لنفسها أمام الرجال فكانت تأكل باستحياء مما يليها من الطعام و الرجال يضعون شيئا من السمن و الحليب أمامهم. و لما رأت الفتاة أن فارح وضع أمامه السمن و كذلك كبا-علف و لم يتركوا لها شيئاً منه و كانت تشتهي السمن. فأخذت الفنطال " ملعقة خشبية يستخدمها أهل البادية للأكل" ووضعته أمام جهة كبا-علف و قالت " لقد قلت اليوم مقولة يا كبا-علف قطعت كبدي هكذا و هي تخط خطاً باتجاهها" "maanta Kabo-Calafaw hadal aad I tidhi beerka ayuu sidaa ii kala jeexay" فاتجه بعض من السمن و الحليب باتجاهها. فهم كبا-علف ما تقصده و أنها محرجة من أن تطلب بشكل صريح السمن و الحليب أمام الرجال, فأخذ يخلط الطعام أمامه بملعقته الخشبية و هو يقول " و أنت أيضاً قلت كلاماً خلط معدتي بالكامل هكذا " ""Ana hadal aad I tidhi maanta caloosha oo dhan ayuu sidaa ii walaaqay" وذلك لرفع الحرج عنها و التمويه على ما فعلته للتو. 

تعجبت الفتاة من ذكاء كبا-علف و أخذت قراراً بألا تتزوج إلا منه. و حينما وصلوا إلى ديار فارح و أخيه قالت الفتاة " لقد حلفت بالله ألا يتزوجني رجل غير كبا-علف و إلا عدت إلى منزل أهلي". أسقط بيد فارح و لم يعرف ما يفعل, فقد أصبح أمام خيارين: إما أن يترك الفتاة التي خاض لأجلها كل هذه الصعاب و المشقة تعود بسهولة , أو يتركها تتزوج أخاه الكبير الذي صاحبه في هذه الرحلة و وقف إلى جانبه. اتخذ فارح قراره بمباركة زواج أخيه من الفتاة و بالفعل تزوج كبا-علف من الفتاة أما فارح فقام على عرس أخيه الأكبر و أصبح كما يعرف باللغة الصومالية " milxiis", و لم تقف الحكاية عند ذلك و لكن كبا-علف ساعد أخاه بالمقابل على اختيار عروسة له و عمت الأفراح و المسرات عائلة الاخوين وعاشوا في تبات ونبات.