الخميس، 13 مارس 2014

رسالة زعماء الصومال إلى الشيخ سلطان القاسمي (الجزء الأول)



رسالة زعماء الصومال

 إلى الشيخ سلطان بن صقر القاسمي

1837 م 

 
الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي

مقدمة: 

أذكر أنني قبل ثلاث سنوات كنت أبحث عن هذه الرسالة و حالفني الحظ بعد بحث و عناء طويل و بعد الاتصال بدار الخليج للصحافة و النشر في الشارقة, حيث دلوني على مكتبة وحيدة في المنطقة الشرقية قد أجد فيها هذا الكتاب. و فعلا وجدت الكتاب في مكتبة المتنبي في الدمام بعد جهد و بالكاد حصلت على نسختين فقط. 

قرأت الرسالة بنهم و فيها ما هو جميل و تشرح بداية التدخل الانجليزي في سواحل أرض الصومال و فيها ما اعترضت عليه , لكن سأترك رأي الخاص و تحقيق هذه الرسالة إلى ما بعد الانتهاء من سردها بشكل تجريدي و سرد الظروف المحيطة كما حققها الدكتور الشيخ سلطان بن محمد القاسمي. 

 حوت هذه الرسالة استنجاداً بشيخ الشارقة و رأس الخيمة الشيخ سلطان القاسمي الذي حكم خلال الفترة 1803م – 1846م ليعينهم على حرب الانجليز و يضم أرضهم إلى أرضه, و قد بدأ المحقق بتمهيد تاريخي لمنطقة الصومال, و بين أسباب كتابة الرسالة التي كتبت بخط واضح و جميل و ما تزال محفوظة إلى اليوم في الشارقة. و اختتم التحقيق ببيان أسباب تقاعس الشيخ سلطان بن صقر القاسمي عن تنفيذ رغبة زعماء الصومال.

تمهيد:

تطرق الدكتور سلطان بن محمد القاسمي إلى القبائل القاطنة في أرض الصومال و ذكر أن القبائل التي ترجع إلى الشيخ اسحاق بن أحمد تقطن الجزء الغربي من شمال الصومال و أن ميناءهم بربرة, بينما تقطن في الجزء الشرقي قبيلة المجيرتين العائدة إلى الدارود و ميناؤها بندر قاسم. ثم تحدث عن بربرة و أسباب كتابة الرسالة كما يلي:

ميناء بربرة في القرن التاسع عشر

يقع ميناء بربرة على خط عرض 22  10 درجة, و خط 45 درجة, و كان يعد من أحسن الموانئ الأفريقية. أما مدينة بربرة فإنها كانت تهجر ما بين شهري أبريل و سبتمبر من كل عام, إلا من السقف المؤقتة, و في منتصف شهر سبتمبر تصبح المدينة سوقاً تجارية عظيمة, و ملتقى تجارياً لكل القبائل الصومالية في تلك المنطقة, و التي كانت تعتمد على تلك المدينة في بيع منتجاتها كالصمغ, و العاج , و السمن , و الخيول , و البغال, و المواشي, و الأغنام , و الجلود الغير المدبوغة , و كانت أثمان تلك المنتجات كثيراً ما تصل إلى مئات الآلاف من الدولارات.
إن ازدهار التجارة في ميناء بربرة يرجع إلى عدم وجود ضرائب على الواردات أو الصادرات , ما عدا حصة بسيطة تدفع للوسطاء نظير السمسرة و حماية التجار الأجانب و عادة ما يكون السمسار زعيم العشيرة.

كانت التجارة في ميناء بربرة بيد العرب و البناينة* (جمع بانيان و هم الهنود المشتغلون بالتجارة), الذين كانوا يأتون من مناطق مختلفة من السواحل العربية كل سنة, في سفن محملة بالبضائع , و التي كانت تترواح أعدادها بين 100 و 500 سفينة. 

أحد شوارع بربرة موسم التجارة


كان تجار بربرة يبدون غيرة و حسداً عند وصول أي سفينة أوروبية, لأن تلك الكميات الكبيرة من السلع, التي كانت تلك السفن تجلبها إلى بربرة, هي نفس نوعية السلع التي كان تجار بربرة يجلبونها من موانئ السواحل العربية. من تلك السفن الأوربية , وصلت السفينة التجارية "ماري آن"  “Mary Anne” يوم الثامن من أبريل سنة 1825م, بقيادة ربانها "دبليو لِنغارد" “w.Lingard”. و في نفس الوقت وصلت البغلة "دريا دولت" من المخا, و كان على متنها اثنان من العرب حضرا إلى السفينة "ماري آن" و عرضا خدماتهما على السيد " لِنغارد".
و في صباح اليوم التالي نزل السيد " لِنغارد" و أخوه من السفينة, و اصطحبا العربيان إلى مكان تجمع السماسرة, و عيَنا لهما خمسة من السماسرة المعروفين, و اتفقا مع السماسرة على الأتعاب التي سيتقاضونها. لكن السيد " لِنغارد" ظن أن السماسرة قد خدعوه, و أن الأتعاب التي اتفق عليها معهم عالية جداً, لذلك بدأ في اليوم التالي بعرض بضاعته على التجار دون السماسرة. 

اعترض السماسرة على ذلك البيع, فتدخل السيد علي عقال, صاحب الكلمة في مدينة بربرة لتسوية الموضوع. عندها وصل أحد بحارة السفينة "ماري آن" و أخبر السيد " لِنغارد" بأن السفينة قد جنحت بالقرب من الشاطئ فهب كل من كان بالمدينة إلى الشاطئ. فمنهم من كان يحاول انقاذ البضاعة و منهم من أخذ ينهب من تلك البضاعة, فحدث عراك بين بحارة السفينة و المواطنين الصوماليين نتج عنه مقتل اثنين من بحارة السفينة " ماري آن" و جرح آخران. فخاف السيد " لِنغارد" فلجأ هو و أخوه إلى البغلة " دريادولت" و لحق بهما السيد "لابلانش" “La Blanche” مساعد ربان الفينة "ماري آن", و طلب السيد " لِنغارد"من نوخذا البغلة نقله و من معه إلى المخا.

في المخا قابل السيد " لِنغارد" المقيم البريطاني كابتن "ام.إي.باغنولد" “Captin M.E.Bagnold” و أخبره بما حدث. فقام السيد باغنولد برفع الأمر إلى حكومة بومبــي. قدر السيد " لِنغارد" قيمة السفينة و حمولتها بمبلغ 37,833 ألف دولار اسباني.

بعد سنة و نصف من الحادثة, صدرت الأوامر من العميد البحري "غيج" “ Rear Admiral Gage” , القائد الأعلى للقوات الملكية البحرية البريطانية في تلك البحار, بتجهيز حملة بحرية, تنفيذا لرغبات الحاكم العام للهند, لاعادة الممتلكات أو التعويض عنها من القبيلة التي اعتدت على السفينة التجارية "ماري آن". تكونت الحملة السفن الملكية البحرية البريطانية: "تامـار" “ Tamar”  و " باندور" “ Pandora”  و " أمهرست" “ Amherst”  و كان عليها مئتان و أربعون جنديا.

وصلت الحملة قبالة ميناء بربرة في اليوم العاشر من يناير سنة 1827م, و كانت هناك سفن محلية كثيرة أخذت تتناقص عند وصول الحملة. فقام كابتن "جي. بريمر" “ Captain J.Bremer”  قائد السفينة الملكية البريطانية " تامار" -  و هو نفسه قائد الحملة – باطلاق النار على تلك السفن لمحاصرة ميناء بربرة. كما قام بارسال الملازم "داوني" “Lieut. Downey”  مع مترجم إلى المدينة لمقابلة شيوخ بربرة, لشرح الهدف من تلك الحملة, و اخبارهم برغبة كابتن " بريمر" للاجتماع بهم على ظهر السفينة الحربية مع ضمان سلامتهم.

وافق شيوخ بربرة على اللقاء مع الكابتن "بريمر" في صباح اليوم التالي. و في تلك الليلة الباردة و كعادة أهل الصومال أن يشعلوا النار ليلاً للتدفئة و الطبخ, اعتقد الكابتن "بريمر" أن المواطنين قد أشعلوا النار في عدة أماكن من المدينة لنهبها, و أنهم فيما تهيأ له بدأوا بتحطيم ممتلكات الهنود الذين يعدُون تحت الحماية البريطانية,و أنه إذا ما حدث ذلك فلسوف لن يجد شيئاً للتعويض عن السفينة " ماري آن" و شحنتها.

و من ثم أراد أن يثبت لأهالي بربرة أنهم تحت سيطرته فقام بفتح نيران مدافع السفينة الحربية, ثم أنزل قوة بقيادة كابتن " جيرفيز" “ Captain Jervaise”  لاحتلال المدينة. و كان وقتها ألفان من المواطنين الصوماليين قد تجمهروا على الشاطئ بأسلحتهم التقليدية لكنهم اختفوا عندما بدأ الجنود البرطانيون بالنزول إلى الشاطئ. احتل الكابتن "جيرفيز" و جنوده التلة التي كانت تتوسط المدينة و موقعين آخرين. أحدهما شرق المدينة و الآخر غربها, ثم احتلت المدينة بأكملها بعد أن سقط العديد من الأهالي صرعى نتيجة العدوان الهمجي و قتل انجليزي واحد فقط.

تقدم من المدينة اثنان من زعمائها و تفاهموا مع الانجليز و طلبا مهلة أربعة أيام. و في اليوم المحدد حضر بين عشرة و اثني عشر شيخاً من زعماء القبائل و طلب الانجليز منهم ثلاثين ألف دولار, اعترض الصوماليون على ذلك الطلب.  و لكنهم تحت التهديد وافقوا على خمسة عشر ألفاً تدفع على ثلاثة أقساط سنوية قيمة كل قسط خمسة آلاف دولار نقداً أو ما يوازيها من البضائع. و وقعت اتفاقية بين شيوخ القبائل و بريطانيا تسمح لبريطانيا بالتجارة و حمايتهم لسفنها من الاعتداء عليها و تقديم المساعدة لها. و عجز الأهالي عن جمع القسط الأول حيث كانوا جميعهم فقراء.

أسباب كتابة (المخطوطة) رسالة زعماء الصومال للشيخ سلطان بن صقر القاسمي: 

كتبت هذه الرسالة في سنة 1837م , و كان الدافع لكتابتها أن بريطانيا أواخر سنة 1836م ادعت أن سفناً من ساحل الحبشة قامت بأعمال السلب ضد السفن المتاجرة بين المكلا و مدخل البحر الأحمر. فقامت السفن البريطانية بأسر خمس سفن من قبالة بربرة, مدعية أنها كانت تقوم بحصار ميناء بربرة. يضاف إلى ذلك الاتفاق الذي تم بين سلطان لحج و الحكومة البريطانية في شأن تأجير ميناء عدن في نهاية سنة 1835م لاقامة محطة تجارية في ذلك الميناء الى جانب الممارسات التي قام بها كابتن " هينز" “ Captain haines" الضابط في البحرية الهندية ضد عدن و سلطان لحج في السنوات التي تلت ذلك الاتفاق مما نتج عنه احتلال بريطاني لعدن في العام 1839م . 


يتبع في الجزء القادم 

في الجزء القادم سنبدأ بإذن الله في سرد الرسالة  (المخطوطة) كما هي و من ثم نعرض تحقيق بسيط حول بعض ما ذكر فيها حسب رأينا المتواضع.  

الأربعاء، 12 مارس 2014

كبا-علف و أخوه فارح



كان يا مكان في قديم الزمان كان هناك أخوان أحدهما يدعى كبا-علف و الآخر فارح, كبا-علف كان الأخ الأكبر و فارح الأخ الأصغر وكان من أمر كبا-علف أنه لم يتزوج بعد و كان الناس ينعتونه بالحمق (نعس) و كان فارح محط اعجاب الكثيرين و كانوا ينعتونه بالامتياز (فريد) و كانوا يعتمدون عليه في الكثير من الأشياء.
و في يوم من الأيام أصاب القحط و الجفاف الأرض التي يقطنها كبا-علف و أخوه فارح و بعد زمن هطلت الأمطار في أرض أخرى بعيدة عن أرض الأخوين. و كعادة أهل البادية أرسلوا السرايا للإستطلاع و البحث عن أرض فيها الماء و الكلأ و فعلاً وجدوا بُغيتهم و بعدها انتقلت العشيرة إلى هذه الأرض الجديدة الغنية بالعشب و المياه.

و بعد أن استقرت العشيرة و ارتوت المواشي بعد الظمأ ابتدأ الشباب و الصغار في أداء الرقصات و الألعاب الشعبية ابتهاجاً بنعمة الأمطار و فرحاً بالأرض الجديدة. من هذه الرقصات هيلدا, ويقلدا, والاساقادا, جاانطيرتا ..إلخ (Wiglada, Heelada, Walasaqada, Jaandheerta), و كان من عادة أهل البادية أن يقيموا مراسم الزواج خلال فصل الأمطار حينما تعشب الأرض و تخضر, حتى لو كان هناك اتفاق مبدأي للزواج بين شاب و فتاة يتم تأجيله لفصل الربيع وقت نزول الأمطار. 



فارح وجد فتاة من المنطقة الجديدة التي ارتحلوا إليها مؤخراً وتحدث معها لفترة و نالت اعجابه فقد كانت تتمتع بقدر كبير من الجمال و العقل.اتفق فارح مع الفتاة على الزواج و لكن لسوء حظهما اندلعت مواجهات بين العشيرتين و قتل من الطرفين رجال كثير. بعد هذه المواجهات الدموية قررت عشيرة فارح وأخوه كبا-علف العودة لمنطقتهم تجنباً لمزيدٍ من سفك الدماء بين الجانبين.

لم يستطع فارح أن يصبر كثيراً على الفتاة التي أحبها و أراد الزواج منها, فقرر أن يعود لديارهم و يعود بالفتاة إلى عشيرته. وكانت 90% من زواجات البادية تتم بهذه الطريقة باتفاق الشاب و الفتاة على الزواج حيث جرت العادة أن يأتي الشاب مع أبناء عمه و إن كان لابد فيأتي بعمه أو أخيه و يرسلهم لأهل البنت ثم يهرب مع الفتاة إلى عشيرته فلا يملك أهلها سوى الموافقة على الزواج تحت الأمر الواقع بما أن الشاب و الفتاة بينهما قصة حب أما 10% كان يتم تزويجهم عبر أهاليهم. 

ذهب فارح إلى أبناء عمه و أخبرهم أنه لا يمكن أن يتخلى عن هذه الفتاة و أنه لن ينظر إلى فتاة أخرى طالما أن هذه الفتاة ما تزال على قيد الحياة. أشار عليه أبناء عمه أن ينسى هذه الفتاة و لا يفكر فيها بسبب العداوة بين العشيرتين حيث لم تجف دماء القتلى بعد من الطرفين. كما أنه لو ذهبوا إليهم سيعتقدون أنهم يريدون حربهم فيبادروا للقتال و الثأر لقتلاهم تحت هذه الظروف العصيبة.

لم يقتنع فارح بنصيحة أبناء عمومته و قرر أن يذهب لوحده و كان أخوه كبا-علف المنعوت بالحمق "نعس" الوحيد الذي عرض الذهاب معه, وافق فارح على أن يصحبه أخوه الاكبر كبا-علف. انطلق فارح و أخوه باتجاه ديار الفتاة كان الأرض الفاصلة بين العشيرتين أرضاً جدباء و قاحلة لا يسكنها أحد, قطع فارح و أخوه المسافة في يوم و ليلة و في اليوم التالي وصلا إلى ديار الفتاة التي أحبها فارح. 

اختبأ فارح و أخوه كبا-علف على مشارف مضارب العشيرة وذلك للعداوة التي بينهم و لتحين الفرصة المناسبة للانفراد بالفتاة و الحديث معها. و فعلا في عصر ذلك اليوم شاهدوا الفتاة و هي تقود جملاً خارج مضارب العشيرة, فخرجوا عليها بعدما اطمئنوا أنها لوحدها فقالوا لها " لقد أتينا من أجلك يا سيدتي و تعلمين العداوة التي بين أهلينا, و نريدك أن تأتي معنا هذه الليلة للعودة إلى عشيرتنا بغرض الزواج منك".

الفتاة كانت تتمتع بقدر كبير من الذكاء و واعدتهم أن تأتيهم في الليل تحت شجرة اتفقوا عليها على حدود مضارب العشيرة. الجو كان لا يزال في فصل الربيع و الأمطار تهطل بغزارة بين الحين و الآخر, نزل المطر تلك الليلة و الأخوان ينتظران الفتاة تحت الشجرة و كانا يرتجفان من شدة البرد. أما الفتاة فبعد نزول الأمطار دخل عليها اخوانها و عيال عمها الذين كانوا عادةً ينامون أمام الابل و لكن دخلوا عليها المنزل حتى يحتموا من المطر لذلك لم تستطع أن تخرج إلى موعدها مع الأخوين.

تأخرت الفتاة على الأخوين و لما استبطئا قدومها  قررا أن يذهبا إلى منزلها و يروا ما الذي عَوقها عن الموعد. تسلل الأخوان إلى مضارب العشيرة حتى وصلا إلى بيت الفتاة و اختبئا خلف المنزل و أخذا يسترقان السمع حتى وقفوا تماماً خلف المكان الذي تتحدث منه الفتاة. قام فارح بنكز الفتاة من الخارج ففهمت أنهما يختبئان في الخارج و ينتظران خروجها معهم.

و كما قلنا سابقاً كانت الفتاة تتمتع بقدر عالي من الذكاء فأخذت تحكي قصة لاخوانها و عيال عمها و هي تقصد توجيه رسالة لفارح و أخيه كبا-علف فقالت و هي تحكي قصة فتاة " كان هناك شاب و فتاة يحبان بعضهما وفي يوم من الأيام حدث قتال و خصومة بين أهليهما و الشاب لم يستطع أن يصبر على فراق الفتاة التي يحبها, ثم قدم إلى أهل البنت مع ابن عمه فأصابهم المطر مثل مطر هذه الليلة فتحدث الشاب مع الفتاة فقالت له: إذا كنتم جائعين اذهبا خلف حظيرة الغنم و ستجدان اناء فيه حليب فاشربا, و إذا كنتم تريدان مصرعكما فادخلا المنزل , إما إن كنتم تريدونني فاذهبا تحت الشجرة" و أكملت لهم القصة و فعلاً فهم الأخوان أنها تقصدهم بكلامها فذهبا خلف حظيرة الغنم و شربا الحليب ثم عادا لانتظار الفتاة تحت الشجرة.

و مع توقف هطول الامطار عاد اخوة الفتاة و عيال عمها للخارج للنوم بالقرب من الابل, حينها وجدت الفرصة للهروب و اللحاق بفارح و أخيه تحت الشجرة. و لما تقابلوا تحت الشجرة فرح بمجيئها الاخوان ثم انطلقوا عائدين إلى ديار فارح و أخيه. و بعد الفجر مباشرة كانوا يمشون في منطقة خاوية لا يسكنها أحد و لا تسمع فيها صوتاً لمخلوق, قالت الفتاة " دعونا نفطر" استغرب فارح من قولها و بحثها عن الفطور في هذه الارض الخاوية فقال لأخيه كبا-علف " يا أخي ماذا تقول الفتاة ؟ هل نحن في منطقة فيها أكل ؟ ما هذا الفطور الذي تريده؟ "
أجابه كبا-علف " إنها تقصد أن نفرش أسناننا بالمسواك" فهم فارح قصدها بعد شرح أخيه كبا-علف و فعلاً فرشوا أسنانهم بالمسواك, و لما حان وقت الظهر أصابهم التعب فجلسوا تحت ظل شجرة كبيرة. و حينما جلسوا مباشرة قالت الفتاة " دعونا نرتاح" فاستغرب مجددا من كلامها و قال لها " ولال, ها نحن جالسون  تحت الظل فعن أي راحة تتحدثين ؟ " فأجابه أخوه كبا-علف " انها تقصد أن نخلع الأحذية" و بالفعل خلعوا جميعاً أحذيتهم و أخذوا قسطاً من الراحة حتى العصر. 

تحركوا بعد العصر و حينما اقتربت الشمس من المغيب قالت الفتاة " لقد وصلنا إلى البلدة" , فقال فارح " هل الفتاة أطول منا ؟ أم هي أبعد بصراً ؟ ما هي هذه البلدة التي شاهدتها و لم نشاهدها نحن ؟ ". فأجابه كبا-علف " لقد شاهدت نسراً و غالبا تتواجد النسور في مناطق قريبة من الاماكن التي يقطنها البشر" استغرب فارح من منطق الفتاة و استغرب أكثر من فهم أخيه كبا-علف لما تقوله. و بالفعل بعد برهة من الزمن وصلوا إلى بلدة كما أخبرتهم الفتاة و استقبلتهم عائلة على طرف البلدة كضيوف.قدمت لهم العائلة وليمة كعادة أهل البادية فكانوا يقدمون الطعام للضيوف و يذبحون لهم الماشية مع وضع كوب من السمن و الحليب في المنتصف و هذا ما فعلته العائلة تماما. 

خجلت الفتاة أن تضع السمن لنفسها أمام الرجال فكانت تأكل باستحياء مما يليها من الطعام و الرجال يضعون شيئا من السمن و الحليب أمامهم. و لما رأت الفتاة أن فارح وضع أمامه السمن و كذلك كبا-علف و لم يتركوا لها شيئاً منه و كانت تشتهي السمن. فأخذت الفنطال " ملعقة خشبية يستخدمها أهل البادية للأكل" ووضعته أمام جهة كبا-علف و قالت " لقد قلت اليوم مقولة يا كبا-علف قطعت كبدي هكذا و هي تخط خطاً باتجاهها" "maanta Kabo-Calafaw hadal aad I tidhi beerka ayuu sidaa ii kala jeexay" فاتجه بعض من السمن و الحليب باتجاهها. فهم كبا-علف ما تقصده و أنها محرجة من أن تطلب بشكل صريح السمن و الحليب أمام الرجال, فأخذ يخلط الطعام أمامه بملعقته الخشبية و هو يقول " و أنت أيضاً قلت كلاماً خلط معدتي بالكامل هكذا " ""Ana hadal aad I tidhi maanta caloosha oo dhan ayuu sidaa ii walaaqay" وذلك لرفع الحرج عنها و التمويه على ما فعلته للتو. 

تعجبت الفتاة من ذكاء كبا-علف و أخذت قراراً بألا تتزوج إلا منه. و حينما وصلوا إلى ديار فارح و أخيه قالت الفتاة " لقد حلفت بالله ألا يتزوجني رجل غير كبا-علف و إلا عدت إلى منزل أهلي". أسقط بيد فارح و لم يعرف ما يفعل, فقد أصبح أمام خيارين: إما أن يترك الفتاة التي خاض لأجلها كل هذه الصعاب و المشقة تعود بسهولة , أو يتركها تتزوج أخاه الكبير الذي صاحبه في هذه الرحلة و وقف إلى جانبه. اتخذ فارح قراره بمباركة زواج أخيه من الفتاة و بالفعل تزوج كبا-علف من الفتاة أما فارح فقام على عرس أخيه الأكبر و أصبح كما يعرف باللغة الصومالية " milxiis", و لم تقف الحكاية عند ذلك و لكن كبا-علف ساعد أخاه بالمقابل على اختيار عروسة له و عمت الأفراح و المسرات عائلة الاخوين وعاشوا في تبات ونبات.


الخميس، 13 فبراير 2014

رياضة صيد الأسود في صوماليلاند (الجزء الأول)



في نهاية القرن التاسع عشر كانت صوماليلاند أشهر منطقة لرحلات القنص و السفاري في شرق أفريقيا قبل أن تشتهر كينيا أو تنجانيقا أو أوغندا بذلك، حيث كانت تحوى مساحة 67 ألف ميل مربع من الأحراش و أراضي السافانا الغنية بالأسود و الحياة البرية. و مثلت هذه المناطق بقعة مفضلة للبريطانيين لممارسة هواية الصيد التي ابتدأوها في الهند بصيد النمور البرية و الخنزير الهندي، حيث استبدلوهما بالأسد و الخنزيز البري الأفريقي ذي الأنياب الطويلة. 


سنحكي لكم مقتطفات من مذكرات الكابتن ميليس أحد أشهر الصيادين، حيث يحكي لنا تجربته في صيد الأسود في صوماليلاند نهاية القرن التاسع عشر.. يحكي لنا الكابتن ميليز ويقول: 

ركبت سفينة بخارية تجارية من عدن متجها إلى سواحل صوماليلاند و بعد أن سلكنا طريقاً ملتوياً وصلنا إلى الميناء القديم في زيلع، ثم نزلنا على الشاطئ و كان كل شي كما تركته قبل عدة سنوات حيث قضيت خمسة أشهر في هذا المنفى الساحر و اللطيف.تذكرت رحلات صيد الخنازير البرية بالرماح في البراري المعشبة حول المدينة. فعلا لم ألحظ أي تغيير في المدينة ... الهدوء الحالم .. أمواج البحرالهادئة التي تغسل الشاطئ باستمرار.. السماء الزرقاء الصافية , تلك المنازل المعدودة والمبنية من صخور مرجانية بيضاء تعكس أشعة الشمس الساطعة و هي مرتفعة عن أكواخ الصومالين التي تحيط بها. 

القنصلية تواجه البحر و أمامها يرفرف العلم الإنجليزي، لم يكن هناك أي تغير. بل كان هناك تغير فعلمنا يرفرف وحيداً، أتذكر حينما كان يرفرف بجانبه العلم الفرنسي و العلم المصري أيضاً. حيث تم إخراج الفصائل الفرنسية المدعومة من القبائل الصومالية بعد المناوشات مع الانجليز و تم إخلائهم من المدينة،  الآن هناك هدوء و سلام في منطقة زيلع. ابحرنا بعد ذلك جنوبا باتجاه "بلحار" هنا يبدو الخط الساحلي و كأنه يمتد إلى ما لا نهاية، تستطيع أن ترى خطاً متصلاً من الرمال الصفراء تتشابك معها رغوة بيضاء قادمة من الخليج. بلحار عبارة عن مستوطنة تجارية خاصة بالصوماليين حصراً تتكون من أكواخ الصوماليين على نطاق واسع، و مع هذا البحر المتألق يظهر في الأفق من جهة اليابسة أحراش و شجيرات تبدو كضباب أصفر قاتم على رؤس المرتفعات المحيطة.

إنها منطقة برية موحشة و فيها تاريخ متوحش كذلك فقد تدمرت قبل سنوات بالحريق و الكوليرا و راح الكثير من سكانها ضحية للقبائل المتعطشة للدماء في الحروب. في اليوم الثالث وصلنا إلى بربرة و كنت سعيداً لترك هذه السفينة ذات الطعام السئ، نزلنا إلى بربرة و سط حشود  صاخبة من الأهالي.فقط خلال  يومين حافلين في بربرة استطعت أن أنسق ما يعرف محليا باسم " قافلة" مكونة من عشرة جمال و اثنا عشر صوماليا سبعة منهم سلحتهم بالبنادق وحماران كان الهدف منهما أن يكونا طعمين لإصطياد الأسود. 

إلى جانب البضاعة التي اشتريتها بوزن ألف رطل من الرز و نصف ذلك من التمر و مائة رطل من السمن بما يكفي لرحلة شهرين. كان يجب أن أفكر بأمور أخرى كذلك مثل: السرج على ظهر الجمال، التباكو (الدخان)، ملابس كهدايا، أواني الطبخ و أحذية للرجال، و فؤوس لصنع الزريبة، براميل مياه و الحبال. وأشياء كثيرة ساعدني على توفيرها التاجر العربي محمد هندي و هو رجل صادق و أمين و آخيرا اشتريت مُهرة حبشية بثمن باهظ أنهيت معها تجهيزاتي  للرحلة.

في ظهر اليوم التالي من بين الحزم و الأمتعة التي تظهر عليها الفوضى و الإبل ذات المزاج السئ التي تشتكى بصوت عال ممتزج مع صرخات الإبتهاج المزعجة للصوماليين، كانت القافلة جاهزة و على أهبة الإستعداد للسفر في زمن قياسي. تحركنا قبل الغروب بقليل في محاذاة الساحل الممتد عبر الأفق. بعد مدة وصلنا إلى تلال منخفضة خارج المدينة كانت هذه التلال الصفراء تمتد في الأفق، كانت تبدو أرضاً صعبة و خالية عدا عن بعض الشجيرات النحيلة. كانت تبدو منطقة خالية من الحياة ما عدا بعض الغزلان التي تخرج من تحت ظلال الشجيرات والتي تحدق فينا من مسافة قريبة مغرية لاطلاق النار عليها أو ترى ما يشبه السناجب الأرضية و هي تختفي في فتحات لا تعد و لا تحصى في الأرض. كانت المسيرة طويلة والجو حار والصوماليون الذين كانوا بصحبتي كدليل كانوا راجلين على أقدامهم و مع الوقت أصبحت أفضل أن أمشي أنا أيضاً بدلاً من الجلوس على ظهر الدابة. و كان من الممتع رؤية خط البحر الأزرق وهو يختفى في الأفق من ورائنا.

وصلنا إلى أول وادي في طريقنا و استرحنا عدة ساعات ثم أكملنا المسير نحو وادي آخر يبعد نحو ثمانية أميال حيث خيمنا ليلاً. كانت نيتي أن نمضي بأسرع ما يمكن باتجاه هضبة " الهود" التي تمتد في عمق صوماليلاند. كانت أقرب حافة للهضبة تبعد عن المنطقة التي كنت فيها مسافة 150 ميلاً، أكملنا المسير في فجر اليوم التالي ثم أخذنا استراحة قصيرة في الظهر ليرتاح الرجال و ترتاح الدواب التي معنا. بعد ذلك أصبحنا نسير في طلعات مضاعفة يومياً، حيث تحسنت طبيعة المنطقة بعد أيام من المسير حيث كانت مشجرة بشكل جيد وسط تلال بنية متدرجة تنمو عليها أشجار الميموزا التي تشبه المظلات. كان أمامنا جبل كف الأسد (قعن – لباح) و هي أكثر منطقة غزيرة بالأشجار في سلسلة جبال قوليس التي تمتد على يسارنا. 

المسار الصخري الذي اتبعناه قادنا عبر الوديان المنتشرة ذات الرمال البيضاء و بين الصخور و الحدود السميكة من الأشجار و غابات الشجيرات حيث ترى منظراً من أجمل المناظر الطبيعية. الزواحف من جميع الأنواع تراها في المنطقة و الأشجار من النخيل إلى شجرة الميموزا وأعداد كبيرة من الطيور المتنوعة بعضها يحمل ريشاً رائعاً ...تبدوا غابة مليئة بالحياة. هنا وهناك ترى أودية خلابة وتشاهد مناطق لتجمع القصب الأخضر الداكن حول بعض المستنقعات المائية محاطة بأعشاب خضراء على أطراف الأودية ذات الرمال البيضاء.

 الخروج في نزهة ليلية في الوادي الهادئ بمعية بندقيتي كان له طعم آخر بالنسبة لي. بدأ سكون متزايد يتسلل إلى الغابة مع غروب الشمس لا يقطعه سوى أصوات مفاجئة  لبعض الطيور داخل الشجيرات أو عويل ابن آوى في الجوار. في مثل هذه الساعة قد يجد المرء في طريقه مجموعة مختلفة من الظباء أو الخانزير البرية أو الفهود أو الضباع، حتى ملك الغابة قد يتم مصادفته في الوادي في مثل هذا التوقيت. بعد عدة أيام أصبح الجو بارداً و أظلتنا السحب الرعدية الممطرة في جبل كف الأسد (قعن- لباح) و جرت الأخاديد بالمياه العذبة. علمت عن موسم الأمطار الذي ابتدأ و الذي كنت متحمساً له لأنه بدونه لن نستطيع الصيد في "الهود". و مع المشي في محاذاة الجبل و على بعد أميال في اليوم الرابع  قطعنا مسافة 90 ميلاً منذ بدأ الرحلة و أنا أنظر من رائي القمة العظيمة لجبل "قعن لباح".

دخلنا في منطقة منخفض جبلي و من بعيد بدت قمتين مدورتين لجبلين توأمين تذكرني بالبلاد الغامضة في رواية كنوز الملك سليمان للكاتب هنري رايدر، واسم الجبلين باللغة الصومالية " ناسا هبلود" بمعنى ثديي الفتاة. الآن أصبحت ترى قطعان من أنواع متنوعة من الغزلان و الظباء منها غزلان طويلة الرقبة تعرف بالغرنوق و ديرو و أول و كانوا يرعون في مرمى النيران. بعد مسيرتين طويلتين وصلنا إلى قمة جبلي "ناسا هبلود"، الآن دخلنا عميقاً في البلد و أصبحنا نسمع أخبار متكررة عن أسود في المنطقة من الصوماليين الذين نقابلهم. هذه الأخبار أغرتني لتحويل المسار والبحث عن أسود المنطقة لكنني استمريت في المخطط للتوجه إلى "الهود".

يتبع في الجزء القادم ..

الخميس، 6 فبراير 2014

السلطان الصومالي ويل وال "Wiil Waal" و اللغز



مقدمة:

كان يا ما كان في قديم الزمان في منتصف القرن التاسع عشر كما تحكي الروايات، كان هناك سلطان عظيم يحكم جزءاً من بلاد الصومال اسمه القراد فارح ابن القراد حرسي و المشهور بلقب " ويل وال". كان ويل وال سلطانًا مهاب الجانب تطيعه القبائل الصومالية و تنضوي تحت لوائه لمحاربة قبائل الجالا للتوسع داخل الهضبة الاثيوبية. كان هذا السلطان يتمتع بقدر كبير من الذكاء و الشجاعة و لديه قدرة هائلة على توحيد الناس حوله كما كان يستخدم الأحجيات و الألغاز كثيراً مثل الأحجية التي سنحكيها اليوم. كان رجلاً حقيقياً و لكن القصص التي أثيرت حوله ربما تكون صحيحة و ربما تتمتع بقدر من سعة الخيال كحال الأساطير في كل مكان في العالم.


القصة:

كان هناك حاكم صومالي يعرف ب "ويل وال" اشتهر بالذكاء و الحكمة و كان في بعض الأحيان يعتقد أنه الوحيد الذي يتمتع بهذا القدر من الذكاء. كان يستمتع بإختبار مستوى ذكاء رعيته و ذلك لغرض البحث عن رجل يكافئه في الذكاء.  و في يوم من الأيام جمع كل الرجال في المنطقة و أخبرهم بأحجية طالباً منهم طلباً غريباً. قال لهم " احضروا لي جزءاً من أجزاء الغنم , و هذا الجزء يرمز إلى ما يمكن أن يفرق الناس أو يجمعهم. من يحضر لي هذا الجزء سأعترف به كرجل حكيم ".

تلفت الرجال إلى بعضهم البعض و تساءلوا : هل يوجد عضو في الغنم يرمز إلى ما قاله السلطان ويل وال ؟ أخذوا يتسائلون و هم يفركون ذقونهم ببطء كناية عن عمق التفكير. انصرف الرجال إلى منازلهم و أخذ كل منهم يستعد لذبح أفضل و أسمن خروف لديه. كان كل منهم يمني نفسه أن يحل لغز السلطان و يأتي بالقطعة الصحيحة لينال شرف الاعتراف و تقدير ذكائه و حكمته أمام الجميع.

أحدهم نحى جانباً ساقاً ممتلئة و الآخر التقط كتفاً سمينة و البعض اختار الكبد و هكذا تنافسوا في اختيار أفضل قطعة. في هذه الأراضي كان يعيش رجلٌ فقير من رعية السلطان كان يملك قطعاناً من الماشية أقل بكثير مما يملكه الآخرون. لكنه كان يؤمن أن غنائه يكمن في الصحة التي أنعم الله بها عليه و في عدد ذريته الكبير. أخذ الرجل الفقير يجر أسمن و افضل خروف لديه و هو يقول في خاطره " يا لها من خسارة أن أذبح هذا الخروف للسلطان و هو لديه الكثير من المواشي و النعم ". 

"أبي ما هي المناسبة لذبحك أفضل و أسمن أغنامنا" هكذا سألته ابنته البكر و هي قادمة لمساعدة أبيها في ذبح الخروف. أعاد أبوها القصة على مسامعها و أخبرها بطلب السلطان "ويل وال" , أخذ الأب في رفع أحد أضلاع الخروف بعد ذبحه و قال " أظن أن هذه هي القطعة المطلوبة" قالها بصيغة المتردد و هو ينظر إلى ابنته في انتظار تعليق منها يطمئنه على صحة اختياره. لم تتحدث البنت و ظلت تحدق في قطعة الضلع و كأنها تبحث عن خيط يقودها للحل الصحيح. تنهد الرجل الفقير و هو يوجه حديثه مرة أخرى إلى ابنته " إنني في الحقيقة لا أعلم ما هي القطعة الصحيحة التي ترمز إلى ما أخبرنا به السلطان, و لكني أظن بأن هذه القطعة ستفي بالغرض".

أخذت البنت الضلع من يد أبيها و أخذت تردد " شي يوحد الناس أو يفرقهم ...؟" ثم أعادت القطعة مرة أخرى إلى أبيها, و بسرعة أخذت الخنجر و قطعت مرئ الخروف و قالت لأبيها "  قدم هذه القطعة إلى السلطان ويل وال و سيقولون عنك أنك رجل حكيم" قالتها و هي تبتسم ابتسامةً ممزوجة بالزهو و الفخر. 

الأب انصدم من اختيار ابنته و صرخ باستغراب " المرئ ؟" الذي يربط بين الحلق و المعدة ؟ المرئ الذي يرمى دائما و لا يؤكل ! و تسائل كيف يمكن أن تقترح ابنته مثل هذا الخيار. قال الأب " ستكون إهانة للسطان فلن يأكل أحد المرئ و بالطبع الضلع أجدر بأن يقدم للسلطان". أجابته ابنته " ثق بي يا أبتي فإنني أريد مصلحتك" نظر الرجل إلى كومة اللحم المتبقي بعد ذبح الخروف كل هذا اللحم الذي سيبقى لعائلته فوافق على اختيار ابنته بناءاً على ثقته بذكاءها و عقلها.

في اليوم التالي تجمع جمع غفير أمام منزل السلطان و أخذ كل منهم ينتظر دوره و هو يضع أمامه قطعة الخروف التي احضرها, فاجتمعت أمام السلطان قطع كثيرة من اللحم: ارجل, أكتاف و غيرها من القطع السمينة. في هذه الأثناء كان الرجل الفقير ينتظر دوره و قد ازداد توتراً و هو يحدق بما قدمه الآخرون من قطع اللحم الفاخر, و أخذ يرسم خطوطا على الأرض بعصاه حتى يخفف من توتره. 

أخيراً حان دوره و تقدم أمام يدي السلطان فأدخل يده داخل الكيس الذي معه ليخرج قطعة المرئ, أخذت يده ترتجف داخل الكيس و حينما أخرج القطعة التي احضرها سمع صرخات استهجان من الحضور " ماذا لقد أحضر المرئ ! يالها من إهانة أن يقدم مثل هذا إلى السلطان " بعد برهة خيم الصمت على الحضور و كذلك السلطان ويل وال أطال الصمت و النظر إلى الرجل الفقير و ما يحمله. 

الرجل الفقير لم يعد يحتمل الموقف الصعب و الصمت المطبق فنظر إلى السلطان ويل وال و وجده مبتسماً و سمعه يقول له بصوت عال " أنت رجلٌ حكيم " فغر الرجل الفقير فاه غير مصدق لما يحدث حوله, هنا علم ويل وال بذكائه أن الرجل لم يأتي بالحل من عند نفسه و لابد أن هناك من ساعده. فسأله " من أخبرك بأن تحضر هذه القطعة من الخروف؟ " فأجاب الفقير " إنها ابنتي البكر , هي الذكية و لست أنا".

هنا طلب السلطان ويل وال رؤية البنت فذهب الجميع إلى منزل الرجل الفقير لرؤية هذه البنت الذكية, و حينما وصلوا إلى منزل الرجل الفقير خرجت إليهم البنت الجميلة بقامتها الطويلة و هي تخفض عينيها للأرض بخجل. تحدثت بصوت ناعم و هادئ  لا يخلو من الوضوح و قالت " لقد طلبتُ من أبي أن يُحضر لك قطعة المرئ من الخروف لأنها في الحقيقة تدل على ما يمكن أن يجمعنا أو يفرقنا, في هذه الحياة هناك الأغنياء الذين يملكون الكثير و هناك الذين لا يملكون إلا القليل. و حينما لا يتشارك الناس يصبحون أعداء و لكن حين يتشاركون يعيشون في سلام. المرئ يوصل الطعام إلى المعدة الجائعة و حينما لا يتم تشارك الطعام يصبح فارغاً , من الممكن أن يكون رمزاً للجشع و الطمع أو يكون رمزاً للكرم و السخاء و في نفس اوقت يجمع الناس أو يفرقهم".

هز السلطان ويل وال رأسه موافقاً لكلام ابنة الرجل الفقير و رتب على كتفها و هو يعلن " وجدت الرجل الحكيم متمثلاً في هذه الفتاة الشابة, و حتماً سيأتي يوم لتحكم هذه الأرض". يقال بعدها أن السلطان ويل وال طلب يد البنت للزواج من أبيها و صارت بينهما قصص و أخبار و وجد السلطان الحكيم ويل وال من ينافسه في الذكاء و الدهاء.